
بقلم: احمد النوش
لم تكن مأساة النخب السودانية التي تعاقبت على حكم البلاد منذ عام 1956 إلا تجسيداً صارخاً لعجز "الموظف التنفيذي" عن تقمص دور "السياسي الباني".
لقد عاشت هذه الانتليجنسيا في برج عاجي، تدير هيكل دولة ورثته عن الاستعمار، دون أن تملك الرؤية لصهر شعوبه في بوتقة أمة واحدة.
هذا العجز ليس استثناءً سودانياً، بل هو جزء من لعنة جغرافية أصابت القارة بأكملها؛ ولعل أدق من شخّص هذا الداء هو ثعلب السياسة الأمريكية هنري كسينجر في كتابه "النظام العالمي"، حيث خطّ مقولته الفلسفية الصادمة:
"في أجزاء واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء... فُرضت الدولة قبل أن يتشكل حتى خيال الأمة.
أصبحت هذه الدول 'ويستفالية' في شكلها، لكنها افتقرت إلى الهوية الوطنية المشتركة التي منحت الدولة الأوروبية تماسكها."
تطبيقاً لهذا الوصف، لم يكن السودان في حقيقته "دولة" بالمفهوم التاريخي للمركزية الضاربة في الجذور—كحال الجارة مصر مثلاً. بل كان كما وصفه بدقة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، عبارة عن "أربعة سودانات"؛ أربع شعوب أو أمم جُمعت قسراً داخل إطار جغرافي واحد، لا يجمعها حدس وطني مشترك، ولا وعي قومي نامٍ.
لقد قلب الاستعمار البريطاني المنطق التاريخي في السودان؛ فبينما تصنع الشعوب في أوروبا حدودها بعد نضج وعيها القومي (نظام ويستفاليا 1648)، جاء المحتل إلى أفريقيا ليرسم "الحظائر الإدارية" أولاً، ثم ترك المكونات الإثنية والقبيلة تتصارع داخلها حول "من يملك الدولة؟".
المستنقع الذي يغرق فيه السودان اليوم هو النتيجة الحتمية لـ "جغرافيا بلا وعي". فطالما ظل الولاء للقبيلة والإثنية أقدم وأعمق من الولاء للافتة "الدولة الوطنية"، ستظل هذه الدولة مجرد هيكل هش، وغنيمة تتنازعها البنادق، في انتظار "عقد اجتماعي جديد" يصنع الأمة أولاً.. قبل أن يسقط الهيكل بالكامل.